محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
21
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقال بشر ، رضي اللّه عنه : « ما أعرف رجلا أحبّ أن يعرف إلّا ذهب دينه وافتضح » . وقال أيضا : « لا يجد حلاوة الآخرة من أحبّ أن يعرفه الناس » . وقال الفضيل « 1 » ، رضي اللّه عنه : « بلغني أن اللّه عزّ وجلّ يقول في بعض ما يمنّ به على عبده : ألم أنعم عليك ، ألم أسترك ، ألم أخمل ذكرك » . ثم إنّ تلك الأشياء الراجعة إلى محبّة الاشتهار والاستعلاء مما يقدح في إخلاص العبد على اختلاف مراتبه ؛ لأنه إمّا سقوط الناس عن النظر إليهم ، أو سقوط النفس عن النظر إليها ، ولا يثبت للمريد جميع ذلك إلا بالخمول وسقوط المنزلة عند نفسه وعند الناس ؛ لأنه إن لم يكن بهذه المثابة لم ينفك عن الأغراض التي تبعثه على استمالة قلوب الخلق لما يرى لنفسه عليهم من الحق ، فتدعوه نفسه إلى ذلك دعاء خفيّا ، فينصبغ عمله بالرياء انصباغا لا يتفطّن له ، كما سيأتي عند قوله : « ربما دخل الرياء عليك حيث لا ينظر الخلق إليك » وبقدر تحققك بوصف الخمول يتحقق لك مقام الإخلاص حتى تتخلّص بذلك من رؤية إخلاصك ، وبهذا يتبين لك إفلاس جميع الناس إلّا من رحم اللّه تعالى ، وأن الإخلاص في غاية الصعوبة على النفس ، وأنه أعزّ الأشياء في الوجود . وقيل لسهل بن عبد اللّه ، رضى اللّه عنه : « أيّ شيء أشدّ على النفس ؟ قال : الإخلاص ؛ لأنه ليس لها فيه نصيب » . وقال يوسف بن الحسين ، رضي اللّه عنه : « أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص ، وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت فيه على لون آخر » . قال الشيخ أبو طالب المكّي « 2 » ، رضي اللّه عنه : « والإخلاص عند المخلصين إخراج الخلق من معاملة الخالق ، وأول الخلق النفس ، والإخلاص عند المحبّين : أن
--> ( 1 ) الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي ( 105 - 187 ه - 723 - 803 م ) أبو علي شيخ الحرم المكي ، من أكابر العباد الصلحاء . كان ثقة في الحديث . أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي . ولد في سمرقند ، ونشأ بأبيورد ، ودخل الكوفة وهو كبير وأصله منها ثم سكن مكة وتوفي بها . من كلامه « من عرف الناس استراح » . ( الأعلام 5 / 153 ، وتذكرة الحفاظ 1 / 225 ، وحلية الأولياء 8 / 84 ، والرسالة القشيرية ص 424 ، ووفيات الأعيان 4 / 47 - 50 ) . ( 2 ) هو محمد بن علي بن عطية الحارثي واعظ زاهد فقيه من أهل الجبل ونشأ واشتهر بمكة ورحل إلى البصرة فاتهم بالاعتزال وسكن بغداد فوعظ فيها وتوفي ببغداد سنة 386 ه - 996 م . له « قوت القلوب » وغيره . ( الأعلام 6 / 274 ، وكشف الظنون 2 / 1361 ، ووفيات الأعيان 4 / 303 - 304 ) .